حسن بن موسى القادري

326

شرح حكم الشيخ الأكبر

« من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر رضي اللّه عنه « 1 » » . وأيضا الشيخ هو الذي جال وطاف بروحك لا ببدنك ؛ لأن الجولان في عالم الغيب بالبدن من خواص خاتم الرسل عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم السلام ، والكمّل من ورثته يطوفون بأرواحهم لا بأبدانهم ، فالشيخ يطوف بروحك في عالم اللاهوت ويعرج بك إلى العظموت ، ويشهدك منازل الناسوت إلى أن يقول لك : ها أنت ومولاك ، فتبلغ غاية الرضا وأقصى المنى ، ولا يبقى في قلبك شيء من السوى . وبالجملة إن لم يأخذ السالك الطريق ممن يكون من الرجال الموصوفين بأوصاف الكمال مما ذكر سابقا تفصيلا يكون له الانتقال إلى منازل القربات محلا كما أوضحته لك في أمثال هذا البحث من كلام المؤلف رضي اللّه عنه ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . 79 - من قنع من الدنيا باليسير ، هان عليه كل عسير . ثم أشار الشيخ قدس سره إلى أن الحجاب العظيم للسالك الدنيا وجمعها وطلب الكثير منها ، ولا يتعسر عليه السلوك إلا بطلب الكثرة منها فقال : ( من قنع من الدنيا باليسير ، هان عليه كل عسير ) أي : من قنع ورضا من الدنيا بشيء يسير قليل مما هو بدّي مما يحتاج إليه للأكل والشرب واللبس على قدر الحاجة وفي وقت الحاجة ، فلا يكون اشتغاله بالدنيا إلا بما يعنيه ويترك جميع ما لا يعنيه ، فيهون على هذا العبد ، ويسر له بفضل من اللّه تعالى كل ما هو عسير وتعب عليه ؛ لأنه يكون أغلب أوقاته في الاشتغال باللّه ويكون فيه للّه لا لنفسه ، ومن كان للّه كان اللّه له ، ومن كان اللّه له هانت عليه الأمور في الدنيا ويوم النشور ، ومن لم يكن قانعا بشيء يسير من الدنيا بل يطلب منها أزيد مما يحتاج إليه وقبل الاحتياج إليه عسر عليه كل ما هو يسير ؛ لأن مدار العسر واليسر على الاشتغال باللّه وعدم الاشتغال به ، والاشتغال باللّه مستلزم للقناعة باليسير وعدم الرضا بالكثير ، فمن اشتغل به تعالى تصير الدنيا في طوع يده وتسهل عليه الأمور ، وإلا فتهرب الدنيا عنه وتعسر عليه الأمور . وقد قيل : من طلب الغنى بالقناعة فقد أصاب الطريق ، ومن طلبه بالمال فقد أخطأ الطريق .

--> ( 1 ) ذكره المقري التلمساني في نفح الطيب ( 5 / 164 ) .